تعرّف على العافية النفسية كمفهوم شمولي يتأثر بجوانب الحياة المختلفة، وكيف نعتني بتوازننا النفسي ونعزّزه في حياتنا اليومية، ومتى نحتاج إلى دعم متخصص.
في السنوات الأخيرة، لم يعد تعريف الصحة النفسية محصوراً بغياب الاضطرابات النفسية أو الأعراض المرضية، بل اتّسع ليشمل مفهومًا أوسع هو العافية النفسية أو حسن الحال، psychosocial wellbeing .
هذا التحوّل يعكس وعيًا متزايدًا بأن الإنسان لا يعيش توازنًا نفسيًا فقط عندما تختفي المعاناة، بل عندما يمتلك القدرة على التكيّف، وتنظيم حياته، والتعامل مع الضغوط اليومية بطريقة تحميه من الاستنزاف.
فالعافية النفسية ليست حالة ثابتة نصل إليها ثم نستقر فيها، بل مسار مستمر يتأثر بتجاربنا وظروفنا وما نملكه من دعم داخلي وخارجي.
ما المقصود بالعافية النفسية؟
العافية النفسية هي حالة من التوازن تساعد الإنسان على فهم نفسه، والتعامل مع مشاعره بوعي، وبناء علاقات صحية، ومواجهة ضغوطات الحياة اليومية دون أن يفقد استقراره الداخلي.
وهي لا تعني غياب المشاعر الصعبة أو اللحظات المؤلمة نهائياً، بل القدرة على احتوائها والتعامل معها بطريقة تحمي الفرد على المدى الطويل.
بهذا المعنى، تتجاوز العافية النفسية فكرة “الخلو من المرض” لتلامس جودة الحياة والشعور بالقدرة على الاستمرار.
فالعافية النفسية لا تُقاس فقط بوجود أو غياب اضطراب نفسي. فقد يعيش بعض الأشخاص دون اضطرابات نفسية مشخصة، لكنهم يشعرون بتعب داخلي أو فقدان للتوازن، في حين يستطيع آخرون التعايش مع اضطرابات أو تحديات نفسية محددة مع الحفاظ على قدر جيد من العافية، بفضل الدعم الذي يتلقونه أو المعنى الذي يجدونه في حياتهم.
من هنا، تبدو العافية النفسية مفهوماً مرناً يراعي تنوع التجارب الإنسانية. أيضاً لا يمكن النظر إلى العافية النفسية بمعزل عن باقي جوانب الحياة. فهي نتيجة تفاعل عوامل عديدة وهي الجسم والمشاعر وطريقة التفكير وطريقة التعامل في العلاقات والظروف المحيطة والظروف التي نعيشها يوماً بعد يوم.
من الشائع ظهور التعب النفسي على شكل إرهاق جسمي، وأحياناً تؤدي الضغوط المستمرة إلى توتر داخلي أو فقدان للطاقة، دون سبب واضح.
العافية النفسية ليست حالة ثابتة نصل إليها ونبقى فيها، بل هي توازن يتغيّر مع تغيّر الظروف.
وهي تشبه متصل متدرج يستحيل الوصول إلى أقصى طرفيه تقريباً، حيث أنه لايوجد أحد لديه عافية كاملة كل الوقت، ولايوجد شخص على يد الحياة تقريباً لاعافية بالمطلق لديه، بمافيه أكثر الناس معاناة من الأمراض الصحية او النفسية! فقد يختل جانب أو أكثر من جوانب الحياة في مرحلة ما، بينما تساعد جوانب أخرى على التوازن و الاستمرار وتجاوز الصعوبة.
لذا لا تعني العافية النفسية الشعور بالراحة الدائمة، بل تعني الوعي بما نمر به، والقدرة على التعامل معه بطريقة تحمي توازننا الداخلي. عندما نفهم العافية النفسية بهذا الشكل، تصبح جزء من العناية اليومية بالذات، وليست هدفاً مثالياً أو حالة كاملة يصعب الوصول إليها.
هي مسار يتطلب انتباهاً مستمراً، ومرونة في التعامل مع ما تحمله الحياة من تغيرات وظروف وتحديات وهنا يمكننا أن نشبه العافية النفسية والعناية بها بالأنشطة الحياتية اليومية والعادات الغذائية التي يقوم بها الأفراد، حيث أن كل فرد يستحم بشكل دوري متكرر، ويتناول طعامه يومياً ويشرب الماء عدة مرات يومياً ويغسل يديه وأسنانه وغيرها من العادات الصحية الغذائية، وبدون هذه العادات لايمكن أن يحافظ على صحة جسمية متوازنة، وهذا الأمر شبيه بالحفاظ على العافية والصحة النفسية، حيث أنها تتطلب أنشطة دورية وعناية مستمرة بالجوانب النفسية إلى جنب مع باقي جوانب العافية.
فما هي جوانب العافية النفسية؟
تتكون العافية النفسية في سبعة جوانب مترابطة تشكّل معاً صورة متكاملة لتوازن الإنسان. هذه الجوانب لا تعمل بشكل منفصل، ولا يمكن ترتيبها وفق أهمية واحدة تنطبق على الجميع، إذ يختلف تأثير كل جانب بحسب المرحلة العمرية والظروف الحياتية. ومع ذلك، فإن وجود مستوى مقبول من التوازن بينها يسهم في دعم العافية النفسية والتوازن.
يساعد النظر إلى العافية النفسية من خلال هذه الجوانب على فهم أعمق لمصادر التعب أو القوة في حياة الفرد، وغالباً لا يكون الإرهاق النفسي والمعاناة نتيجة سبب واحد واضح، بل نتيجة تراكم ضغوط في أكثر من جانب في الوقت نفسه.
العافية الجسمية
تشكل العافية الجسمية أساسا مهم للعافية النفسية. فالنوم غير المنتظم، وسوء التغذية، وقلة الحركة، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في المزاج والطاقة والقدرة على التركيز.
ومع الوقت، قد يتحوّل إهمال الجسد إلى حالة من التعب العام يشعر فيها الإنسان بأنه مستنزف دون سبب محدد.
ولا ترتبط العافية الجسمية باتباع نمط صحي مثالي، بل بالقدرة على الإصغاء للجسد واحترام حدوده والعناية به.
فالعناية بالجسد تعني الانتباه إلى إشارات التعب والحاجة إلى الراحة، والتعامل معها بلطف، بعيداً عن الضغط المستمر على الذات.
العافية العاطفية
تتعلق العافية العاطفية بقدرة الإنسان على التعرف إلى مشاعره وتسميتها والتعامل معها بوعي، دون إنكار أو اندفاع. فالمشاعر بمختلف أنواعها جزء طبيعي من التجربة الإنسانية. العافية العاطفية لا تعني الشعور الإيجابي الدائم، بل السماح للمشاعر الصعبة بالظهور وفهمها والتعبير عنها بطرق صحية.
عندما يكون الوعي بالمشاعر أو القدرة على التعبير عنها أقل، قد يشعر الإنسان بثقل داخلي أو ارتباك يصعب عليه تفسيره. في المقابل، يساعد الاهتمام بالعافية العاطفية على بناء مساحة داخلية أكثر أمانًا، تتيح التعامل مع التوتر والمشاعر الصعبة بمرونة أكبر.
العافية المهنية
ترتبط العافية المهنية المالية بالشعور بالأمان والاستقرار في تلبية الاحتياجات الأساسية وإدارة الموارد المتاحة.
ولا تقاس بحجم الدخل بقدر ما تتصل بالإحساس بالقدرة على التخطيط والتعامل مع الالتزامات دون قلق دائم.
فالضغوط المالية المستمرة قد تستهلك جزءاً كبيراً من الطاقة النفسية. ويؤثر عدم الشعور بالأمان المالي أو الخوف من المستقبل الاقتصادي في المزاج والتركيز والعلاقات.
في المقابل، يساهم وجود حد أدنى من التنظيم أو الدعم في تخفيف هذا العبء، ويمنح الفرد الشعور بالأمان ومساحة أوسع للاهتمام بجوانب أخرى من حياته.
العافية المعنوية أو الدينية
تشير العافية المعنوية او الدينية إلى شعور الإنسان بالارتباط بمعنى أوسع لحياته، سواء من خلال الإيمان الديني أو القيم الروحية أو الإحساس بالغاية. هذا الجانب لا يُقاس بالممارسات الظاهرة، بل بما يقدمه من طمأنينة داخلية وقدرة على الاحتمال، خاصة في أوقات الشدّة.
وجود معنى واضح قد يساعد الإنسان على فهم التجارب الصعبة والتعامل معها دون شعور كامل بالانكسار.
وفي المقابل، قد يظهر شعور بالفراغ أو التشتّت عندما يغيب هذا البعد، خاصة في مراحل التغيير أو الأزمات.
العافية الثقافية
ترتبط العافية الثقافية بشعور الإنسان بالانتماء إلى بيئته وقيمه وهويته، وبقدرته على التفاعل معها دون صراع داخلي دائم. وعندما يشعر الفرد بأن هويته محترَمة ومفهومة، ينعكس ذلك شعورًا بالأمان والانسجام النفسي. في المقابل، قد تؤدي الفجوة الثقافية أو التعرّض للتهميش إلى شعور بالاغتراب.
ويظهر هذا بوضوح في سياقات الهجرة أو العيش بين ثقافتين، حيث تصبح العافية الثقافية عنصر مهم في دعم التوازن النفسي.
العافية المعرفية
تتعلّق العافية المعرفية بطريقة تشكّل الأفكار وتفسير الخبرات اليومية وتوفر مصادر التعلم والمعرفة.
فهي تعبّر عن قدرة الإنسان على الفهم وعلى ملاحظة أفكاره، وفهم تأثيرها في مشاعره وسلوكه، والتعامل معها بمرونة.
عندما تكون العافية المعرفية متوازنة، يصبح الفرد أكثر قدرة على التمييز بين الفكرة والواقع وفهم القضايا والتحديات التي تجري حوله، و هذا يساهم في تقليل الاستنزاف النفسي وتعزيز الشعور بالسيطرة الداخلية.
العافية الاجتماعية
ترتبط العافية الاجتماعية بجودة العلاقات وبالشعور بالدعم والانتماء بدءاً من الأسرة الصغيرة وباقي العلاقات. فالعلاقات الآمنة تتيح التعبير والمشاركة، وتخفّف من الإحساس بالوحدة.
العافية الاجتماعية لا تعني كثرة العلاقات، بل عمقها وقدرتها على منح الأمان.
وعندما تضعف الروابط الاجتماعية، قد يشعر الإنسان بالعزلة. في المقابل، يشكّل وجود شخص مُنصت أو شبكة دعم عامل حماية مهم في مواجهة الضغوط الحياتية
لقراءة المزيد عن كيف نستجيب للضغط، التكيف النفسي وأنواعه
كيف تتفاعل جوانب العافية مع بعضها؟
تتداخل جوانب العافية النفسية وتتأثر ببعضها باستمرار. فقد ينعكس الضغط المالي على الحالة العاطفية، أو يؤثر التعب الجسدي في طريقة التفكير.
وفي المقابل، قد يخفّف وجود دعم اجتماعي أو معنى أو إيمان من أثر ضغوط أخرى.
هذا التفاعل يجعل العافية النفسية حالة مرنة تتغيّر مع تغير الظروف.
العافية النفسية في الحياة اليومية
تظهر العافية النفسية في تفاصيل الحياة اليومية، في طريقة التعامل مع الضغوط، وفي القدرة على الموازنة بين المسؤوليات والاحتياجات الشخصية.
وهي لا تعني غياب القلق أو الحزن، بل القدرة على تفهم المشاعر، وتفهم مسبباتها واحتوائهما والتعامل معها.
تعزيز العافية النفسية
تعزيز العافية النفسية يبدأ من الوعي بأن التوازن النفسي يحتاج إلى عناية مستمرة، تماماً مثل الصحة الجسدية. فالممارسات اليومية البسيطة، مثل تنظيم الوقت، والانتباه للحدود الشخصية، وبناء علاقات داعمة، تسهم في تخفيف الضغط وتعزيز الإحساس بالاستقرار.
هذه الخطوات لا تلغي التحديات، لكنها تساعد على التعامل معها بطريقة أكثر مرونة.
واللطيف في تعزيز العافية أن أي نشاط جسمي يفيد على المستوى النفسي والعكس صحيح وهذا ينطبق على جميع جوانب العافية.
ويمكننا تشبيه العافية برصيد في حساب بنكي او رصيد في خزنة، وأي نقطة إيجابية نحصلها من أي جانب من جوانب العافية ستصب في الرصيد الكلي لعافيتنا مما يجعله يكبر ويتعاظم.
وفي كثير من الأحيان، تكون هذه الممارسات كافية لدعم العافية النفسية والحفاظ عليها.
لكن في بعض المراحل، قد لا يكون الاعتماد على الجهود الفردية وحده كافياً، خاصة عندما تتراكم الضغوط أو تطول فترة المعاناة. عندها، يصبح التفكير في طلب دعم إضافي جزءاً طبيعياً من العناية بالنفس.
متى نحتاج إلى دعم مختصي الصحة النفسية ؟
في بعض المراحل، قد يصبح الحمل أثقل من أن يُحتمل .
عندما تطول المعاناة لأسابيع أو شهور أو تبدأ بالتأثير في النوم أو العلاقات أو الأداء اليومي أو العمل، يصبح طلب الدعم خطوة طبيعية.
وعندما تبدأ المشاعر والأفكار بالوصول إلى درجات مزعجة للغاية وبشكل مستمر خلال ساعات اليوم وأيام الأسبوع والشهر، وعند الإصابة بآلام جسمية غير مفسرة صحياً، أو بدء اساءة استخدام المواد والمهدئات او المواد المخدرة، وعندما تخطر على البال خواطر غير معتادة حول الذات والآخرين أو أفكار تمني الموت فلابد من استشارة مختصين بالصحة النفسية.
الدعم المتخصص ليس دليل ضعف، بل تعبير عن وعي وحرص على العافية النفسية.
اقرا ايضا عن رحلة داخل النفس: كيف تتفاعل أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا لتصنعنا؟
ختاماً
العافية النفسية رحلة تتغير مع تغير مسار الحياة، وليست حالة ثابتة أو مثالية نصل إليها ثم نستقر فيها.
قد نمر بفترات نشعر فيها بالتوازن، وأخرى نحتاج فيها إلى التوقف وإعادة النظر، وهذا جزء طبيعي من التجربة الإنسانية ولا ينتقص من قيمتها.
فالعافية النفسية لا تعني غياب التعب أو المشاعر الصعبة، بل القدرة على ملاحظتها والتعامل معها بوعي ومرونة.
تتشكل العافية النفسية من تفاعل جوانب متعددة في حياة الإنسان، تشمل الجوانب الجسدية، والعاطفية، والمالية، والروحية، والثقافية، والمعرفية، والاجتماعية.
وهي ترتبط بطريقة تعامل الفرد مع أفكاره ومشاعره وعلاقاته وظروفه اليومية، ضمن سياق متكامل يتأثر بتغيّرات الحياة وتحدياتها.
ومن هذا المنطلق، تصبح العافية النفسية مساراً مستمراً يحتاج إلى انتباه وعناية يومية، وإلى الإنصات للذات واحترام حدودها.
كما يشمل ذلك الوعي بالإشارات التي تدل على اختلال التوازن، واعتبار طلب الدعم المتخصص عند الحاجة خطوة طبيعية في طريق الاهتمام بالصحة النفسية، لا علامة ضعف.
في النهاية، تظل العافية النفسية تجربة شخصية تختلف من فرد إلى آخر، تبدأ بالوعي والإنصات للذات، وتستمر بمحاولات متجددة للحفاظ على التوازن، والاعتراف بأن التعب جزء من الحياة، تماما كالعافية
لحجز استشارة أونلاين أو في مركز عافيتي - غازي عنتاب
اضغط على الرابط للتواصل عبر الواتس أب:
https://wa.me/message/WQK52NAOWTI2C1
أو من خلال رقم الهاتف
87 39 202 507 90+
المصادر:

